فخر الدين الرازي
189
تفسير الرازي
سورة الشمس ( خمس عشرة آية مكية بسم الله الرحمن الرحيم * ( وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا ) * . قبل الخوض في التفسير لا بد من مسائل : المسألة الأولى : المقصود من هذه السورة الترغيب في الطاعات والتحذير من المعاصي . واعلم أنه تعالى ينبه عباده دائماً بأن يذكر في القسم أنواع مخلوقاته المتضمنة للمنافع العظيمة حتى يتأمل المكلف فيها ويشكر عليها ، لأن الذي يقسم الله تعالى به يحصل له وقع في القلب ، فتكون الدواعي إلى تأمله أقوى . المسألة الثانية : قد عرفت أن جماعة من أهل الأصول قالوا : التقدير ورب الشمس ورب سائر ما ذكره إلى تمام القسم ، واحتج قوم على بطلان هذا المذاهب ، فقالوا : إن في جملة هذا القسم قوله : * ( والسماء وما بناها ) * ( الشمس : 5 ) وذلك هو الله تعالى فيلزم أن يكون المراد ، ورب السماء وربها وذلك كالمتناقض ، أجاب القاضي عنه بأن قوله : * ( وما بناها ) * لا يجوز أن يكون المراد منه هو الله تعالى ، لأن ما لا تستعمل في خالق السماء إلا على ضرب من المجاز ، ولأنه لا يجوز منه تعالى أن يقدم قسمه بغيره على قسمه بنفسه ، ولأنه تعالى لا يكاد يذكر مع غيره على هذا الوجه ، فإذاً لا بد من التأويل وهو أن * ( ما ) * مع ما بعده في حكم المصدر فيكون التقدير : والسماء وبنائها ، اعترض صاحب " الكشاف " عليه فقال : لو كان الأمر على هذا الوجه لزم من عطف قوله : * ( فألهمها ) * ( الشمس : 8 ) عليه فساد النظم . المسألة الثالثة : القراء مختلفون في فواصل هذه السورة وما أشبهها نحو : * ( والليل إذا يغشى ) * ، * ( والضحى والليل إذا سجى ) * فقرؤوها تارة بالإمالة وتارة بالتفخيم وتارة بعضها بالإمالة وبعضها بالتفخيم ، قال الفراء : بكسر ضحاها ، والآيات التي بعدها وإن كان أصل بعضها الواو نحو : تلاها ، وصحاها ودحاها ، فكذلك أيضاً . فإنه لما ابتدئت السورة بحرف الياء أتبعها بما هو من الواو لأن الألف المنقلبة عن الواو قد توافق المنقلبة عن الياء ، ألا ترى أن تلوت وطحوت ونحوهما قد يجوز في أفعالها أن تنقلب إلى الياء نحو : تلى ودحى ، فلما حصلت هذه الموافقة استجازوا إمالته